رجوعي ماكانش ضعف… كان حساب

يوم ما رجعت، ماخبطتش على الباب.

خبطته برجلي.

مش عشان أنا قليلة…
لكن عشان 23 سنة غربة علّمتني إن اللي يرجع مكسور بيتداس عليه.

وقفت قدام البيت اللي بنيته من عرقي…
البيت اللي كانوا بيقولوا عنه “بركة بنتنا”.

شنطتي كانت قديمة ومقصوصة من الجنب، هدومي متغبرة، ووشي باين عليه التعب…
بس التعب ده كان قشرة.

أنا ما رجعتش مكسورة.

أنا رجعت أعرف حاجة واحدة بس:
هل دمي هيبقى ضهري… ولا سكّيني؟

الباب اتفتح.

أمي، الحاجة روحية، بصّت لي من فوق لتحت.
نظرة واحدة بس كانت كفاية تقول كل حاجة.

— “خير يا أمل؟ إيه اللي رجعك فجأة؟”

ما قالتش “وحشتيني”.
ما قالتش “حمد لله على السلامة”.

قالت “خير”.

ورايها كان الصالون اللي شريته…
النجف اللي علّقته وأنا باخد مسكنات عشان أكمّل شغل اليوم…
الستارة التقيلة اللي دفعت فيها نص مكافأة نهاية عقد.

كل حاجة هناك كانت بتقول “فلوس أمل”.

بس ولا حاجة كانت بتقول “أمل”.

ظهرت سماح من جوه، وإيديها ناشفة في فوطة مطرزة أنا اللي بعتهالها من سنتين.

بصّت لي بنص عين وقالت:

— “إيه يا أمل؟ حصل إيه؟”

قولتلهم إني سبت الشغل.
إني تعبانة.
إني محتاجة أقعد يومين بس.

صوتي كان هادي.

مش ضعيف.

هادي.

أمي سكتت ثانيتين…
بعدين قالت الجملة اللي خلّت قلبي يتشق نصين:

— “إحنا خلاص رتّبنا حياتنا يا أمل… البيت مليان.”

مليان؟

أنا اللي دافعة تمن كل متر فيه.

سماح ضحكت ضحكة خفيفة وقالت:

— “بصّي… محدش قالك تسيبي عيالك وتغربي. كل واحد بيشيل شيلته.”

شيلتي؟

أنا شيلت البيت كله.

وقفت لحظة.

كنت مستنية كلمة واحدة…
كلمة تقول إن لسه ليا مكان.

ما جاتش.

ساعتها بس فهمت.

أنا ما رجعتش عشان أرتاح.

أنا رجعت عشان أعرف…
أستاهل إيه.

وقفت لحظة.

كنت مستنية كلمة واحدة…
كلمة تقول إن لسه ليا مكان.

ما جاتش.

أمي سحبت الباب نص سحبة كأنها مستعجلة تخلّص من الموقف.

— “بصي يا أمل… الدنيا مش سايبة. لو عايزة ترتاحي يومين شوفي خالتك سعاد. إحنا على قد حالنا.”

على قد حالنا؟

النجفة اللي فوق راسها تمنها كان مرتب سنة كاملة ليا.
الركنة اللي قاعدة عليها اشتريتها من معرض إيطالي لما وفّرت في أكلي 6 شهور.

سماح قربت وقالت بصوت واطي بس مقصود يتسمع:

— “إنتي اختارتي طريقك. كل واحد بيلم اللي زرعه.”

الجملة دي خلّتني أضحك.

ضحكة صغيرة… بس خلتهم يقلقوا.

حطّيت الشنطة على الأرض بهدوء.

— “معاكم حق.”

سكتوا.

يمكن مستنيين انهيار… عياط… ترجّي.

لكن أنا كنت هادية أكتر من اللازم.

طلّعت من الشنطة ملف بلاستيك شفاف.

مدّيته لأمي.

إيديها كانت بترتعش وهي بتفتحه.

أول ورقة كانت صورة بطاقة باسمي.

تاني ورقة…

عقد ملكية البيت.

باسمي.

مش باسمها.
مش باسم سماح.

باسمي أنا.

الصمت كان تقيل لدرجة إن صوت النفس بقى مسموع.

سماح خطفت الورق من إيد أمّي.

— “ده إيه الهبل ده؟!”

بصّيت لها في عينها لأول مرة.

— “الهبل إني كنت فاكرة إن الحب كفاية من غير ضمان.”

أمي قعدت على الكرسي فجأة.

— “إنتي عملتي كده ليه؟”

ابتسمت.

— “عملته من 23 سنة. بس ما كنتش محتاجة أستخدمه… غير دلوقتي.”

قربت خطوة.

— “أنا ما جيتش أطلب مكان. أنا جيت أستلم بيتي.”

وشوشهم شحبت.

سماح حاولت تبان قوية:

— “يعني هترمينا في الشارع؟”

ردّيت بهدوء:

— “أنا عمري ما رميت حد. بس اللي يرميّني… ما يستغربش لما ألاقي نفسي واقفة على رجلي.”

لفّيت وشي ناحية الصالون.

كل حاجة كنت فاكرة إنها هتحسسني بالفخر…
حسّتني فجأة بالقوة.

— “معاكم شهر.”

مسكت شنطتي.

المرة دي ما كانتش تقيلة.

التقيل كان سنين السكوت.

وأنا ماشية، سمعت أمي بتناديني:

— “أمل!”

وقفت.

صوتها ما كانش فيه قسوة المرة دي.

كان فيه خوف.

— “هو إحنا… كنا وحشين للدرجة دي؟”

بصّيت لها.

ويمكن لأول مرة شافتني مش “محفظة”.

شافتني بنت.

قلت بهدوء:

— “كنتوا محتاجيني… بس ما كنتوش شايفيني.”

وخرجت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top